النهضة الثقافية الفكرية في مصر و سوريا في القرن ال 19
مقدمة
في مطلع القرن التاسع عشر، شهد العالم العربي نهضة ثقافية وفكرية عميقة، تركزت بشكل رئيسي في سوريا وبالأخص جبل لبنان، ومصر. هذه النهضة، التي غالبًا ما تُشار إليها بالنهضة، وجدت جذورها ودافعها في السياسات التحويلية ورؤية شخصية محورية واحدة: محمد علي باشا. على الرغم من أصوله الألبانية وافتقاره إلى التعليم الرسمي، لعب نهج محمد علي البراغماتي واهتمامه الشديد بالثقافة العربية دورًا أساسيًا، بشكل مباشر وغير مباشر، في تحفيز هذه الحركة. تجاوز تأثيره البسيط في الحكم، حيث رعى اهتمامًا متزايدًا بإحياء خلافة عربية، ممزوجًا بين حنكته العسكرية والسياسية مع التزام عميق بالإصلاحات الثقافية والتعليمية.
جاء اللحظة التعريفية لهذا العصر قليلاً قبل صعود محمد علي، مع لقاء المصريين بقوات نابليون، التي لم تكشف فقط عن التخلف العسكري والتكنولوجي، بل أدخلت أيضًا أبعادًا ثقافية غربية إلى مصر. وقد مهدت هذه التعرض الأساس لاحتضان شامل للتحديث تحت حكم محمد علي، الذي أدرك أهمية الثقافة والتعليم الاستراتيجية في تعزيز أسس المجتمع ومواجهة التأثير العثماني.
نغوص هذا المقال في التيارات الفكرية التي نبعت من مبادرات محمد علي، مستكشفًا كيف أشعلت إصلاحاته التعليمية—خاصة إنشاء المهام المعروفة باسم "البعثات العلمية" وتقديم تقنية الطباعة—نهضة ثقافية أوسع. من خلال فحص الترابط بين هذه التطورات والسرديات التاريخية الأوسع، نسعى إلى تأطير النهضة العربية ضمن نسيج معقد من تاريخ الشرق الأوسط في القرن التاسع عشر، مسلطًا الضوء على إرث حكم محمد علي المستمر في تشكيل الهوية الفكرية والثقافية العربية الحديثة.
دور محمد علي
بتتبع جذور هذه الحركة النهضوية نجد أن كلمة السر في هذه الحركة هو رجل واحد: محمد علي باشا. هذا الرجل البراغماتي و الذي يعد من أشهر السياسيين الذي عرفهم التاريخ الحديث و المعاصر كان وراء هذه النهضة بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر في كلا المركزين. و بالرغم من أن هنالك تناقض بين تكوين محمد علي و ما قام به إلا أن له الفضل في هذه الحركة فالرجل ألباني الأصل و كان عربي النزعة حيث كان يولي اهتماما خاصا بالعربية بل إنه حتى كان يداعب أحيانا الحضور في مجالسه و يخبرهم برغبته في إعادة إحياء خلافة عربية 1. أما التناقض الثاني فهو توجهه إلى النهضة الثقافية كمشروع و هذا ما يتناقض مع طبيعة الرجل السياسي-العسكري المخضرم و أيضا كون الرجل كان غير متعلم. و لكن يبدو أن الرجل فطن إلى أهمية الثقافة و مركزية اللغة العربية و ربما لصناعة مشروع بديل عن مشروع الدولة العثمانية فطن أن اللغة لها أثر السحر على الناس، و من مركز صانع القرار أطلق العنان للمشروع. و لكن قبل محمد علي بسنوات قليلة كان هنالك صدمة حضارية أولى حدثت في مصر و أوضحت للعالم العربي حجم التأخر الحضاري الذي وصلوا إليه فلقد كان المصريون شديدين التأخر على كل الأصعدة حتى أنه لم يكونوا يتخيلوا أن هنالك وسيلة غير السيوف في الحرب فعندما رأوا أن البندقية يمكن أن تقتل الناس و ترديهم أرضا من على بعد (رواية متداولة في التراث المصري)
و لم يأتي الفرنسيين من أجل غزو مصر لمصالح سياسية فقط بل إن طبيعة الإستعمار الفرنسي تحمل أوجه ثقافية عديدة فهم بروح ثورتهم كانوا دائما ما يحاولون نشر الثقافة الفرنسية في العالم. و لهذا عندما وصلوا إلى مصر جاءوا بالطابعة معهم، و جائوا بكتيبة من العلماء و بعد انشاء المطبعة الفرنسية مباشرة تم تأسيس مدرستين على الطراز الأوروبي للحديث لأبناء الفرنسيين، كما قاموا بإنشاء عدة نظم و منشآت حيوية لم يكن المصريين قد سمعوا عنها قط فأنشأوا مسرح الثمثيل، و الصيدلية، و المستشفيات الحديثة، و مختبرات كيميائيا، و مراصد فلكية، و معارض للفن و حديقة حيوانات، و متاحف للسلاح و التاريخ الطبيعي، و ورشات و معامل طواحين2. و يبدو أن حملة نابيليون و معاينة المصريين على أرض الواقع تركت أثرا عميقا في المصريين و جعلتهم يعلمون بحجم التأخر الحضاري الذين هم فيه و جعلتهم على استعداد نفسي للمضي قدما في محاولات النهضة الشاملة و بوصول محمد علي إلى السلطة في مصر بعد مبايعته من أهلها و برؤيته الخاصة لها توافق الإستعداد النفسي مع الرؤية لتكون لبنة هذا المشروع.
***
برامج الإبتعاث
إن ما يعرف اليوم ببرامج الأبتعاث في الأقطار العربية يبدو و أنها فكرة قديمة بمفهومها النظامي. فيبدو أن محمد علي قد قام بإنشائها تحت اسم "البعثات العلمية". و إن محمد علي يبدو و أنه قد سار في مسارين مختلفين، فيبدو و أنه بم يكتف بفتح المدارس المتخصصة في مصر، و استقدام المعلمين الأوروبيين للتدريس فيها. بل إنه سار أيضا في مسار أخر و هو مسار البعثات و يبدو أن الهدف من ذلك هو الإطلاع المباشر و عن كثب على أبرز تطورات العلوم. تم اختيار أنبه الطلاب لإرسالهم من1809 إلى 1848. و في البداية كان يرسل الطلاب لتلقي العلوم العسكرية مثل الفن الحرب، الهندسة العسكرية، المدفعية، البحرية، الإدارة المدنية، و الديبلوماسية. و أيضا دراسة العلوم المساعدة لها كالرياضيات و الهندسة و التاريخ و الجغرافيا و كانت أول الدفعات عام 1913. و يصل عدد البعثات إلى 9 بعثات في هذه السنوات و كان الطلاب يبتعثون إلى شتى التخصصات الدقيقة و كان محمد علي ينفق على هذه البعثات بسخاء شديد و يعتني بها. حتى أنه أرسل أثنين من أبناءه من ضمن الطلاب في هذه البعثات3.
إنشاء المطابع وحركة الترجمة
بدا المشروع الثقافي في مصر بإنشاء محمد علي لمطبعة بولاق عام 1821 و قد اوكل محمد علي مهمة إدارة المطبعة إلى السوري الأصل نقولا مسابكي حيث انه ارسله خصيصا الى ايطاليا لدراسة فن الطباعة (1815-1820). و يشير الكاتب نيجاريات في كتابه النهضة القومية – الثقافية العربية إلى إشارة مهمة قد سبق و نوهنا عليها في المقارنة ما بين حركة الترجمة الاولى و الثانية حيث يقول " بادئ ذي بدء كانت الترجمة تتم على أيدي شبان عديمي الخبرة في ميدان التجرمة ، ثم تسلم الى المحررين والمصحيين ممن امتازوا في علم اللسان وصناعة البيان، فيبذلون جهودا جبارة لاصدارها، وكان المحرر المسؤول في مقدمة هؤلاء الثقات."2. و لم يكن مشروع المطبعة هو الوحيد فقط و لم تكن الطباعة بالعربية فقط بل بدأت بشكل تدريجي حيث كانت تطع الصحف بالتركية في بادئ الأمر لهيمنة اللسان التركي. و أوكلت مهمة الصحافة العربية لرفاعة الطهطاوي. و يبدأ الخيط بالأتضاح من ناحية الأثر الثقافي للحملة الفرنسية على محمد علي ذاته فلقد اسس للمدارس الغير دينية و لم يكن معلوم في مصر انذاك غير التعليم الديني و يرسل المتفوقون منهم إلى مدارس متخصصة في مجالات محددة2. و اما من ناحية المدارس المتخصصة (المعروفة اليوم بإسم الجامعات) كالطب و الصيدلة فلقد أسسها محمد علي أيضا عام 1827 و 1829 على التوالي و نقلا في ما بعد إلى القصر العيني عام 1932. و كان الأساتذة من الأجانب غير العرب و كان الشيخ الأزهري محمد بن عمر التونسي (1789-1857) صلة الوصل بين الأساتذة الأجانب والطلبة في تعريب المصطلحات الطبية. و يقسم صاحب الكتاب ان المترجمون الوطنيين أنقسموا إلى قسمين فذهب المسلمون لترجمة كتب التاريخ أمثال مصطفى الشرابي وحسن السعودي وعبد الله حسين وحسين افندي. بينما عني النصارى من المصريون و السوريون بنقل العلوم الدخلية و حنين عنحوري ويوسف فرعون ويعقوب الجبيلي واوغنسطين سكاكيني وجورجي فيدال. إلا أن الترجمة لم تكن بذلك المستوى الراقي في الترجمة و التحرير و سعيا من الحكومة لرفع المستوى أنشأت مدرسة الألسن و الترجمة عام 1835 – 21836. أما أكبر مشروع ترجمة فتاريخة الرسمي عام 1842 و عرف بقلم الترجمة و كان يتبع مدرسة الألسن و تولى رئاسته رفاعة الطهطاوي و اشرف على نقل المئات من الكتب من عدة لغات إلى العربية و التركية و الفارسية4. و تجدر الإشارة أن الطهطاي خلف ارثا في ترجماته في الدراسات الأدبية و لكن الترجمات في التخصصات العلمية لم تترك اثرا و ربما ضعف الترجمة. و لكن الطهطاوي كان ذو جهد ملحوظ في تعريف العرب بأوروبا من خلال كتاباته. و كان من الذين قد أبتعضوا ضمن البعثات. و عمل الطهطاوي على نشر الأفكار الفرنسية في المجتمع المصري، و هنا و بالرغم من دور الطهطاوي الهام إلا يجب الإشارة أنه كان شديد الولع و التأثر بالحضارة الأوروبية و خصوصا الثقافة الفرنسية. و الطهطاوي كان من أول من جاءوا بالحضارة الغربية و محاولة جعل مفاهيمها تتناسب مع مفاهيم التراث الإسلامي و له في ذلك الكثير في كتاب التبريز في تلخيص باريس. و على العموم بقيادة رفاعة الطهطاوي و المبتعثين الذين عادوا إلى مصر و أنخرطوا في شتى المدارس للتدريس و الترجمة شكلوا قاعدة صلبة للقيام بنهضة علمية.
إن سوريا التاريخية دائما ما كانت على علاقة حضارية بأوروبا نظرا لتمركز أقليات مسيحية بها و بيت المقدس و كنيسة القيامة في فلسطين. و بشكل خاص تواصلت الطوائف المارونية و الدرزية بأوروبا على وجه الخصوص كانت هذه الصلات من بعها من جبل لبنان و على يد أمراء الجبل الذين كانوا لديهم ميول تحررية و معاداة للثقافة للعثمانية. هذا التواصل صار في شكل متصاعد و دخلت الطابعة إلى لبنان مبكرا على يد المسيحيين الذين عربوا الإنجيل. و لكن لا يمكننا تأريخ بداية حركة نهضة منظمة. فالمصادر تقول أن النهضة العلمية في سوريا بدأت بشكل مستقل و لكن حكم محمد علي المباشر من خلال ابنه ابراهيم فتح الطريق أمام الإرساليات التبشرية و أمام المدارس لتفتح و هذا ما مهد الطريق إلى النهضة2.
المراجع
دودويل، ه.، وشكري، ع. أ. (بدون تاريخ). الاتجاه السياسي لمصر في عهد محمد علي. القاهرة: كتاب إنك.
نجاريان، ي. (2005). النهضة القومية - الثقافية العربية. القاهرة: الدار الوطنية الجديدة.
الدسوقي، ج. ع. ا. ا. ا. (2007). البعثات العلمية المصرية إلى أوروبا: دراسة في الوثائق.
صديق، ر. ع. (2016). رفاعة الطهطاوي. الناشر: فندر المحتوى الإلكتروني العام.
كمال، أ. س. (2016). نقد وتنوير. العدد 3، ص ص. 227-251.
غرايبة، إ. (1999). جمال الدين الأفغاني: عطاؤه الفكري ومنهجه الإصلاحي. هيرندون: المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
رافعي، ع. ر. (1967). جمال الدين الأفغاني، باعث نهضة الشرق 1838-1897. القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر.
الكواكبي، س. عبد الرحمن الكواكبي السيرة الذاتية. إسلام كتوب.
العقاد، ع. م. (2019). عبد الرحمن الكواكبي. آي كتاب.نت.




