ما هو أصل العرب ومن أول من تحدث بالعربية؟
من هو العربي، وكيف نميز بين العربي و بين متحدث العربية؟ تلك إشكالية معقدة، يتهرب العديد من مجرد طرحها، فيما يشعر آخرون بحرج عميق عند التناول لإجابتها، مكتفين بالقول إن العربي هو من يتحدث باللغة العربية. ولكن، بكل إنصاف، ثمة من لا يتردد في الخوض في هذا السؤال، محاولين تحديد هوية العرب وأصولهم وفقًا لرؤيتهم الشخصية، ساعين لإثبات استحقاق أو قِدم انتمائهم العربي.
عودة إلى الإجابة البسيطة المتمثلة في أن العربي هو من يتحدث العربية، فرغم صحة هذا التعريف من جوانب عدة، إلا أنه يظل غير كافٍ في زمننا الحالي، حيث إن التقدم والتطور في شتى مناحي الحياة أصبح مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بتعلم اللغة الإنجليزية. الهيمنة اللغوية والثقافية الغربية فرضت علينا تعلم هذه اللغة وممارستها باعتبارها لغة التواصل الرسمية العالمية. لكن، هل يجعلنا هذا إنجليزًا؟ هل نشترك في القومية الإنجليزية؟ ببساطة، لا
من هنا، تبرز الحاجة إلى تحديد أدق لمفهوم الهوية العربية. قبل ذلك، ينبغي لنا أن نستقصي في المسألة الأكثر تعقيدًا وهي تصنيفات العرب إلى ثلاث فئات: العرب البائدة، وهم القبائل الأولى التي اندثرت وعوقبت بسبب عصيانها للأنبياء، كقوم عاد وثمود؛ والعرب العاربة، أبناء يعرب بن قحطان؛ والعرب المستعربة، النسل المنحدر من عدنان بن إسماعيل بن إبراهيم، عليهم السلام.
ولن أكتفي هنا بالإشارة إلى هذه الكتب فحسب، بل سأورد اقتباسات مباشرة لإزالة أي تأثير لتحليل أو إضافة من جانبي. ومن بين هذه المصادر، كتاب ‘لسان العرب’ الشهير لابن منظور الذي توفي عام 711 هـ، حيث تناول هذا التقسيم والنقاش حول أصول العرب وسبب تسميتهم بهذا الاسم
“
واختلف الناس في العرب لم سموا عرباً، فقال بعضهم: أول من أنطق اللّه لسانه بلغة العرب يعرب بن قحطان، وهو أبو اليمن كلهم، وهم العرب العاربة. ونشأ إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام معهم فتكلم بلسانهم، فهو وأولاده العرب المستعربة. وقيل: إن أولاد إسماعيل نشأوا بعربة وهي من تهامة فنسبوا إلى بلدهم، وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: خمسة أنبياء من العرب وهم محمد وإسماعيل وشعيب وصالح وهود صلوات اللّه عليهم. وهذا يدل على أن لسان العرب قديم، وهؤلاء الأنبياء كلهم كانوا يسكنون بلاد العرب؛ فكان شعيب وقومه بأرض مدين، وكان صالح وقومه بأرض ثمود ينزلون بناحية الحجر، وكان هود وقومه عاد ينزلون الأحقاف من رمال اليمن وكانوا أهل عمدٍ، وكان إسماعيل بن إبراهيم والنبي المصطفى محمد صلى اللّه عليهم وسلم من سكان الحرم. وكل من سكن بلاد العرب وجزيرتها ونطق بلسان أهلها فهم عرب يمنهم ومعدهم، قال الأزهري: "والأقرب عندي أنهم سموا عرباً باسم بلدهم العربات".
وقال إسحاق بن الفرج:
"عَرَبَة باحة العرب وباحة دار أبي الفصاحة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وفيها يقول قائلهم:
وعربة أرض ما يحل حرامها *** من الناس إلا اللوذعي الحلاحل
يعني النبي صلى اللّه عليه وسلم أحلت له مكة ساعة من نهارٍ ثم هي حرام إلى يوم القيامة. قال: واضطر الشاعر إلى تسكين الراء من عربة فسكنها. وأنشد قول الآخر:
ورجت باحة العربات رجا *** ترقرق في مناكبها الدماءُ
قال: وأقامت قريش بعربة فتنخت بها وانتشر سائر العرب في جزيرتها فنسبوا كلهم إلى عربة؛ لأن أباهم إسماعيل صلى اللّه عليه وسلم بها نشأ وربى أولاده فيها فكثروا، فلما لم تحتملهم البلاد انتشروا وأقامت قريش بها".
و إلي يومنا هذا لم يحسم أحد من هو أبو العرب أو على الأقل من هو أول عربي. من هو أول من فتق لسانه بالعربية؟ بل أن هنالك اختلاف على الأنساب. أما عدنان فلا إختلاف على نسبه من إسماعيل عليه السلام و لكن بعد التتبع و البحث فهنالك خلاف كبير على نسب قحطان. فيقول ابن حجر العسقلاني في كتاب فتح الباري
“ وأما اليمن فجماع نسبهم ينتهي إلى قحطان، واختلف في نسبه، فالأكثر أنه بن عابر بن شالخ بن أرفشخذ بن سام بن نوح، وقيل هو من ولد هود -عليه السلام-، وقيل: ابن أخيه، وزعم الزبير بن بكار إلى أن قحطان من ذرية إسماعيل، وأنه قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن إسماعيل -عليه السلام-، وهو ظاهر قول أبي هريرة المتقدم في قصة هاجر، حيث قال وهو يخاطب الأنصار: فتلك أمكم يا بني ماء السماء. هذا هو الذي يترجح في نقدي، وذلك أن عدد الآباء بين المشهورين من الصحابة وغيرهم وبين قحطان متقارب من عدد الآباء بين المشهورين من الصحابة وغيرهم وبين عدنان، فلو كان قحطان هو هودًا أو ابن أخيه أو قريبًا من عصره لكان في عداد عاشر جد لعدنان على المشهور أن بين عدنان وبين إسماعيل أربعة آباء أو خمسة. وأما على القول بأن بين عدنان وإسماعيل نحوًا من أربعين أبًا: فذاك أبعد، وهو قول غريب عند الأكثر، مع أنه حكاه كثيرون، وهو أرجح عند من يقول: إن معد بن عدنان كان في عصر بختنصر، وقد وقع في ذلك اضطراب شديد، واختلاف متفاوت حتى أعرض الأكثر عن سياق النسب بين عدنان وإسماعيل، وقد جمعت مما وقع لي من ذلك أكثر من عشرة أقوال.”18
:و أما ابن حزم الأندلسي في كتابه جمهرة أنساب العرب فقد قال
"فعدنان من ولد إسماعيل بلا شك في ذلك، إلا أن تسمية الآباء بينه وبين إسماعيل قد جهلت جملة. وتكلم في ذلك قوم بما لا يصح؛ فلم نتعرض لذكر ما لا يقين فيه؛ وأما كل من تناسل من ولد إسماعيل -عليه السلام- فقد غبروا ودثروا، ولا نعرف أحد منهم على أديم الأرض أصلاً، حاشا ما ذكرنا من أن بني عدنان من ولده فقط.
وأما قحطان، فمختلف فيه من ولد من هو؟ فقوم قالوا: هو من ولد إسماعيل -عليه السلام-. وهذا باطل بلا شك، إذ لو كانوا من ولد إسماعيل، لما خص رسول الله -ﷺ- بني العنبر بن عمرو بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بأن تعتق منهم عائشة. وإذا كان عليها نذر عتق رقبة من بني إسماعيل، فصح بهذا أن في العرب من ليس من ولد إسماعيل. وإذ بنو العنبر من ولد إسماعيل، فآباؤه بلا شك من ولد إسماعيل؛ فلم يبق إلا قحطان وقضاعة.
وقد قيل إن قحطان من ولد سام بن نوح؛ والله أعلم؛ وقيل: من ولد هود عليه السلام؛ وهذا باطل أيضاً بيقين قول الله تعالى: “وإلى عاد أخاهم هوداً” وقال تعالى: “وأما عاد فأهلكوا بريحٍ صرصر عاتيةٍ. سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية. فهل ترى لهم من باقية”. وهود، عليه السلام، من عاد، ولا ترى باقية لعاد. والذي في التوراة من أنه قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، عليه السلام فقد بينا في كتابنا الموسوم ب الفصل يقين فساد نقل التوراة، عند ذكرنا ما فيها من الكذب الظاهر، الذي لا مخرج منه، وأنها مصنوعة مولدةٌ، ليست التي أنزل الله تعالى على موسى -عليه السلام- ألتبة.
وأما قضاعة فمختلف فيه: فقوم يقولون: هو قضاعة بن معد بن عدنان، وقوم يقولون: هو قضاعة بن مالك بن حمير؛ فالله أعلم”19
و يبدو من الواضح للعيان أنه هنالك خلاف واضح على أصل قحطان و نسبه كما لا يوجد جزم و لا حتى اتفاق على من أول من فتق لسانه بالعربية. و لا نعلم يقينا أن هنالك اتفاق أو حتى إثبات علمي أو رواية لها أساس صلب تعطينا إضاءات نحو اكتشاف طريق من أول من نطق لسانه بالعربية. و حتى الأحاديث التي رجحت أن نبي الله إسماعيل عليه السلام أنه أول من فتق لسانه بالعربية فبتتبعها وجدنا في الأساس أنها أحاديث ضعيفة، ففي الوقت الذي لا نستطيع فيه إنكارها، لا يمكننا التأكد يقينا بأن هذه الأحاديث قد قالها النبي صلوت الله و سلامه عليه. فعلى سبيل المثال فلقد ضعف الألباني الحديث المشهور: ” أول من تكلم بالعربية، ونسي لسان أبيه، إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما ”. و أما الحديث الصحيح و الذي ذكره البخاري فهو أن إسماعيل عليه السلام قد تعلم اللغة العربية من قبيلة جرهم:
" فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام وتعلم العربية منهم"
و إنه و بتتبع أصل قبيلة جرهم لا نجد أي اتفاق على نسبهم و لقد ذكر ابن هشام في سيرته الشهيرة التي تعد من أهم كتب العرب أن جرهم هم من العرب البائدة و هم أبناء عم لقطوراء من نسل إرم بن سام. و هنالك روايات أخرى في كتاب البداية و النهاية لأبن كثير و تاريخ الطبري أنهم من ولد قحطان. و كما ذكرنا انفا أن نسب قحطان و لا الفترة التاريخية التي عاصرها هما أشياء غير متفق عليه في الأساس و البعض ينسب قحطان نفسه إلى ولد إسماعيل كما قد أسلفنا.
و لذا، يتضح من البحث في هذا الشأن أنه لن يصل أحد لأي شيء من خلال محاولات تتبع من أول من تحدث العربية، و حتى من يحاول أن يثبت أن إسماعيل عليه السلام هو أول من فتق بلسانه بالعربية أو في ورايات أخرى العربية المبينه فالحديث قد ضعف ولا يمكننا التأكد من أن لفظ العربية المبينة تعني الأسبقية المطلقة أم نسبية بمعنى أنه تحدث بأفصح بيان عربي. أما الأنساب إلى هود عليه السلام و أنبياء الله الأخرين هي غريبة و يستحيل إثباتها بل إن العرب لم تكن تستطيع أن تثبت الأنساب ما بين عدنان و إسماعيل فيمسكون عند عدنان. و يقول عن عروة بن الزبير أنه قال: "ما وجدنا أحدا يعرف ما بين عدنان وإسماعيل”. وعن ابن عباس أنه قال: “بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون".
إن الجدال حول أصول العرب وأجدادهم ليس بجديد، فقد امتد هذا النقاش عبر العصور، كما يتجلى من خلال الكتب التاريخية التي تناولت هذه المسألة. من هذا الجدل، يمكن استنتاج أن العرب، عبر التاريخ، قد استقبلوا فكرة وجود أكثر من جدٍّ لهم بقلوب رحبة، ما يشير إلى تنوعهم وتعددية أصولهم. يبدو أن العرب قد اعترفوا بأن هذا الخلاف الجذري لن يجد طريقًا إلى الحسم، وقبلوا بوجود أسلاف متعددين بدلاً من أصل واحد فقط.
أهمية هذا الاعتراف تكمن في تجاوز الادعاءات التي تعطي الأسبقية للعدنانيين أو القحطانيين في النطق بالعربية، وهي أسبقية يصعب إثباتها عمليًا. في هذا السياق، أود أن أتناول مفهوم “المستعربة” من منظور جديد، مؤكدًا أن العربية كلغة وكهوية قد فتحت أبوابها للكثيرين من خارج النسب العربي التقليدي، سواء كانوا قحطانيين أو عدنانيين. هذه العملية سمحت لعدة أعراق وقوميات بأن تنضم إلى النسيج العربي، بما في ذلك الأوروبيين في الأندلس الذين أصبحوا جزءًا من العالم العربي.
ومع ذلك، يثور السؤال: هل كل من تحدث العربية أصبح بالفعل عربيًا؟ الجواب يكمن في تأكيد الإيجابية ولكن بتحفظ. يُعتبر التعلم المباشر للغة العربية خطوة نحو الاستعراب لكنه لا يكفي للانتماء الكامل للهوية العربية. إن اللسان الأول غير العربي لا يمنح صاحبه العروبة بشكل مطلق. بل إن التراكم التاريخي والثقافي عبر الأجيال، حيث يصبح النطق بالعربية كأول لغة، هو ما يشكل الهوية العربية الحقة. العربي، إذًا، ليس فقط من يتكلم العربية، بل هو من نشأ وتشرب بثقافتها وتقاليدها.
وكما أوصى رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، “من أحب قومًا فهو منهم”. هذا الحديث يسلط الضوء على أهمية الانتماء العاطفي والثقافي فوق أصول الدم، مؤكدًا أن الهوية تُبنى أيضًا على القيم والانتماءات التي نختارها ونعيشها.


