التعايش الديني في الأندلس
تعد الأندلس واحدة من أعرق او أعظم الحضارات في تاريخ البشرية أجمعه نظرا لما قدمته للبشرية من نماذج في شتى مجالات الحضارة. من هذه النماذج، التعايش الديني الذي أرسى قواعده المسلمون في الأندلس. على مدار أكثر من ثمانية قرون شكل هذا النموذج من التعايش لعدة أعراق و ديانات أنصهرت تحت وحدة اجتماعية واحدة نموذجا يصعب تحقيقه حتى في زمننا الحاضر.
حالة الأندلس قبل الحكم الأسلامي
القوطيون هم قبيلة المانية تندر المصادر عنهم. يقول حسين مؤنس في كتابه فجر الأندلس، انه في اواخر القرن الرابع الميلادي بأن القوطيين الغربيون استولوا على شبه جزيرة ايبريا بما يشبه الأحتلال و كانت عاصمتهم طليطلة، حيث يصف مؤنس القوطيين بأنهم كانوا أقسى الناس على مخالفينهم في الدين و على مخالفينهم خاصة من اليهود )مؤنس 2002(. يتضح لنا من كتابة دكتور مؤنس و دراسته المفصلة عن تاريخ الأندلس من قبل الفتح الأسلامي الى تاسيس الدولة بأن الأحوال الأجتماعية في تلك الحقبة لم تكن على ما يرام و البيئة الأجتماعية في انذاك لم تكن مشجعة ابدا على التعايش بل كانت بيئة اقصائية في المقام الأول. كان السكان في شبه جزيرة ايبريا يتذمرون من حكم القوطيون فيه. بلغت عدة مناشدات من أهل ايبريا الى موسى بن نصير و منهم وجهاء و أمراء من ايبريا بسبب اشتداد الظلم عليهم من قبل القوطيون (القوطية 1989). كانت الحادثة التي جعلت للمسلمين موطئ قدم في الأندلس هي اعتداء ملك القوطيون انذاك لذريق رودريك على ابنة حاكم سبتة يوليان، فأرسل يوليان الى موسى ابن النصير حاكم المغرب، و عندما وصل طارق بن زياد الى سبتة، فاتحه يوليان و أشار اليه بدخول المسلمين الى الأندلس، فأرسل موسى ابن النصير بدوره الى الخليفة الوليد بن عبدالملك، فأمره بن عبدالملك بالتروي قليلا و ان يختبر البلاد أولا. بعد اختبار الأمور نجح الجيش الأسلامي في دخول ايبريا و قضى على الجيش القوطي و معه الملك و كان جيش المسلمين أغلبه من البربر و تم الفتح في عام 712 ميلاديا (ابن الأثير، عزالدين 1965).
الموقع الجغرافي و المكون الأجتماعي
تقع الأندلس (شبه جزيرة ايبريا) في جنوب غرب أوروبا و يحدها من الغرب المحيط الأطلسي، بينما يحدها من الشرق البحر المتوسط، و من الجنوب مضيق جبل طارق، اما المنفذ البري الوحيد شمالا يحدها جبال البرت(الحجي 1987). كانت التركيبة السكانية لسكان الأندلس بعد الفتح متنوعة حيق تشكلت من العرب، و الأمازيع، و الصقالبة، و اليهود (الجيوسي 1999). أنصهرت هذه التركيبة السكانية الفريدة من نوعها داخل المجتمع الأندلسي تحت ثلاث ديانات سماوية و هي الأسلام، المسيحية، و اليهودية.
التعايش الديني: اليهود و المسيحيين نموذجا
دخل المسلمين الأندلس دخول الفاتحين بسبب تخليصهم لهم من حكم القوطيون كما أتضح لنا حيث رحب بهم أهلها سواء من مسيحيين أو يهود. بسبب حسن معاملة المسلمين و السياسة الحسنة التي أتبعوها، أسلم كثير من أهل الأندلس طوعا ة مع وصول أعداد كبيرة من المسلمين الى الأندلس بعد الفتح، أصبحت النسبة الكبرى من التركيبة السكانية هم مسلمين، و أصبح المسيحيون و اليهود أقليات. ترك المسلمون غيرهم ممن لم يرغب بدخول الأسلام على دينهم، و لم يثقل المسلمون على كاهلهم بالضرائب أو حتى في الحكم، بل كان هنالك مناظق كاملة ذات شبه استقلالية مسيحية أو يهودية، و كانت هنالك محاكم و قضاة مسيحيين.كانت ثقافة المناظرة هي الأساس في الخلافات الدينية بين الديانات و أُثرى هذا على الحياة العلمية و الثقافية و جسد صورة من أروع الصور الحضارية(منصور 2012). أنخرط النصارى في تعلم اللعة العربية و ما ان جاء القرت التاسع الميلادي حتى اصبحت اللغة السائدة في الأندلس هي العربية، بينما في مناصب الدولة كان يسمح لمن يجيد العربية (بما أنها اللغة الرسمية للدولة) بتولي المناصب و هنا نرى مشهد رائع اخر من مشاهد التعايش(سالم 1995). كان التعايش و التسامح في أوجه و لم تقمع اللغات الأخرى كاللاتينية و اللاتينية الدارجة و كان المسلمون يكونون صداقات مع غيرهم من أهل الذمة و كان المجتمع مثالا للتعايش على مر التاريخ.
الحالة الأجتماعية للأقليات الدينية في الأندلس بعد سقوط حكم المسلمين فيها.
عاشت الأندلس تحت حكم اسلامي لمدة 800 عام، شهدت خلالها فترات قوة و ضعف، و لكن من المؤكد أن هذه الدولة الأسلامية التي تواجدت عبر كل هذه القرون لم تكن مجرد موجة عابرة، وإنما كانت مركزا للحضارة في العالم كله معظم فتراتها، نهلت منها جميع الحضارات الأخرى في العصور الوسطى، و ما تزال شواهد هذه الحضارة الإسلامية العظيمة من آثار، عمارة، وعلوم باقية الى يومنا هذا مذكرة ايانا بأعظم فترات الحكم الإسلامي حتى سقوط آخر أقطارها غرناطة عام 1492(دويدار 1993). بعد سقوط الأندلس أصبح المسلمون هم الشريحة الأصغر، و أصبحوا يلقبون بالمدجنين، فهؤلاء او ابائهم كانوا يوما ما الشريحة الأكبر في مجتمعهم، وكانوا يعيشون وسط مجتمع اسلامي، الى ان أشتد الغزو المسيحي المعروف باسم "حركة الاسترداد"( La Reconquista) ، و مدينة تلو أخرى، كثرت جماعات المسلمين، أو الأقليات المسلمة في المدن التي أصبحت مسيحية بسبب هجرة أهلها، رفضهم التنصير، أو رفضا لبقائهم تحت سلطة غير مسلمة، بينما رضت أقلية مسلمة بالحكم المسيحي و كان عليهم دفع ضرائب باهظة من أجل الضغط لتغيير عقيدتهم، , ولكن الكثير رفضوا و الغالبية العظمى هاجرت الى غرناطة، أو المغرب العربي، و ظلت قلة قليلة اما بسبب تفصيلها المكوث بجانب مقتنياتها، أو ضعفهم و عدم قدرتهم على الهجرة، و هؤلاء هم ما عرفوا بالمدجنين. قبل المدجنين العيش تحت الحكم المسيحي، و أقاموا في المناطق المسيحية في نطاق تجمعات مختلفة (مثل حارات اليهود)، تحكمهم سلطتهم و قانونهم الخاص، الا أن أنهم على مر العصور مروا باضطهادات ممنهجة، و شبه دائمة، جعلت خيارين لا ثالث لهما أمامهم، اما الاندماج الديني، أو التهجير. صنف المدجنين على أنهم مواطنين من الدرجة الثالثة رغم أن هذه البلاد بالأمس القريب كانوا هم حكاما لها (شتاوي 1983). و كان من صور هذا التضييق، الأعمال الشاقة بمقابل زهيد أو غير مقابل، الأهانة الرمزية، و استحداث قوانين قمعية تنتهك أبسط مبادئ حقوق الإنسان. في كثير من الأحيان، فرض على المدجنين الأعمال الشاقة، دونا عن غيرهم حيث كانوا متقنين للعديد من الحرف، و المهن المختلفة. صحيح أن هذه المهن كانت مهنهم الأصلية، أو حرفهم و لكن الأختلاف يكمن أنهم كانوا أحرارا و كانوا يجنون مقابل تجارتهم أو حرفهم، و لكن عندما أصبحوا مدجنين، أصبحوا يعملون في قصور و بيوت النبلاء و الكنيسة، و يصدرون اليهم منتجاتهم، بمقابل زهيد أو في حالات عديدة بغير مقابل. تعمدت الدولة المسيحية الجديدة اهانة المدجنين بشتى الطرق، وكان من الإهانة الرمزية التي ذكرها دكتور دويدار، الزامهم بزي خاص، او بشارة خاصة في ملابسهم، و لم تكن هذه الأهانة مقتصرة على المسلمين فقط، بل خصصوا لليهود أيضا شارات أو أزياء معينة. أما بخصوص التشريعات و القوانين الخاصة بالمسلمين، فلقد أستحث الأسبان العديد من القوانين التي تتفنن في اذلال المسلمين و تجريدهم من الكرامة و أبسط مبادئ حقوق الإنسان. على سبيل المثال لا الحصر، فإنه لا يجوز لمسلم من المدجنين، أن يستخدم أحدا من المسيحيين و ان فعل ذلك تصادر جميع أملاكه. أيضا، لا ينبغي لمسلم أبدا قبول دعوة مسيحي و الحالة الوحيدة التي يسمح فيها بدخول بيت مسيحي هي أن يكون المسلم المدجن طبيب. و كان أيضا هنالك قانون يسن على أن من يفر من المدجنين الى بلاد المسلمين، تصادر جميع أمواله و يعتبر أسير حرب، و يصبح عبدا مملوكا لمن يعثر عليه من الأسبان. و كان يحرم على المسلمين المدجنين من رجال و نساء لبس الحرير أو الحلي، و ركوب الخيل، و حمل السلاح. و كان يحق للأسبان تكليف المدجنين بأعمال النحت والفن بدون مقابل. أيضا كانت الدولة الأسبانية تقوم بتنصير أطفال المسلمين و من يعترض على ذلك يقوم بدفع غرامات مهولة، حتى أن العديد من الروايات تروي قتل العديد من المدجنين لأولادهم خشية عليهم من التنصير كما يروي البشتاوي في كتاب الأندلسيون المواركة. ظهر لفظ ال الموريسكيون بعد مرسوم التنصير القهري الذي أصدر سنة 1502، وخير المسلمين أما بالتنصير الفوري أو المهاجرة و قدر أعداد المهاجرين ب 300 الف. و أصدر بعد ذلك عدة قرارات في ال 1567 بمنع الملابس و اللغة العربية. و بدأت بعد خلال ال1478 محاكم التفتيش في حق الموريسكيين (المتنصرون الجدد) في واحدة من أبشع المجازر في التاريخ و طمست الهوية الإسلامية و اللغة العربية من الأندلس تماما و لم يتبقى سوى الأثار و الفنون الأسلامية التي تشهد عن التواجد الإسلامي لمدة 7 قرون بعد نهاية الحكم الإسلامي(ايبار 2005). و مع الأجيال التي تلت الموريسكيون الأوائل، نسوا أبنائهم اللغة العربية و الأسلام و انخرطوا في هويتهم الجديدة.
المصادر و المراجع
ابن الأثير، عزالدين. 1965. الكامل في التاريخ. الكامل في التاريخ. دار صادر،. https://books.google.com.qa/books?id=aKp8nQEACAAJ.
الجيوسي, سلمى الخضراء. 1999. الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس. الأولى. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
الحجي, عبدالرحمن علي. 1987. التاريخ الأندلسي: من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة. دمشق: دار القلم.
القوطية, ابن. 1989. تاريخ افتتاح الأندلس. Edited by إبراهيم الإبياري. الثانية. المكتبة الأندلسية.
ايبار, ميغيل انخيل بونيس. 2005. المورسكيون في الفكر التاريخي. المشروع القومي للترجمة للمجلي الأعلى الثقافي.
بشتاوي, عادل. 1983. الأندلسيون المواركة. الأولى. القاهرة: مطابع انترنشونال برس.
دويدار, حسين يوسف. 1993. المسلمون المدجنون في الأندلس. الأولى. القاهرة: مطبعة الحسين الأسلامية.
سالم, سحر السيد عبد العزيز. 1995. الجوانب الإيجابية و السلبية في الزواج المختلط في الأندلس-دراسة سياسية أدبية و اجتماعية). Edited by محمد حمام. مجلة جامعة محمد الخامس 5 (1). الرباط: 77.
مؤنس, حسين. 2002. فجر الأندلس: الرابعة. القاهرة: العصر الحديث للنشر والتوزيع. https://books.google.com.qa/books?id=LV2MQgAACAAJ.
منصور, آمنة بن. 2012. المناظرة في الأندلس (الاشكال والمضامين). دار الكتب العلمية،. https://books.google.com.qa/books?id=cylHDwAAQBAJ.


